أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
369
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أنه ظرف ل « نَتَقْنَا » ، قاله الحوفي ، وأبو البقاء . قال الشيخ : « ولا يمكن ذلك ، إلا أن يضمن معنى فعل يمكن أن يعمل في « فَوْقَهُمْ » ، أي : رفعنا بالنّتق الجبل فوقهم ، فيكون كقوله : وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ . « والنّتق : اختلفت فيه عبارات أهل اللغة ، فقال أبو عبيدة : « هو قلع الشيء من موضعه ، والرمي به ، ومنه نتق ما في الجراب ، إذا نفضه فرمى ما فيه . وامرأة ناتق ، ومنتاق : إذا كانت كثيرة الولادة » . وفي الحديث : « عليكم بزواج الأبكار ، فإنّهنّ أنتق أرحاما ، وأطيب أفواها ، وأرضى باليسير » « 1 » . وقيل : النّتق : الجذب بشدة ، ومنه : نتقت السّقاء - إذا جذبته ، لتنقلع الزّبدة من فمه . وقال الفراء : « وهو الرفع » . وقال ابن قتيبة : الزّعزعة » . وبه فسّر مجاهد . وقال النابغة : 2349 - لم يحرموا حسن الغذاء وأمّهم * طفحت عليك بناتق مذكار « 2 » وكل هذه معان متقاربة . وقد عرفت أن « فَوْقَهُمْ » يجوز أن يكون منصوبا ب « نتق » ، لأنه بمعنى : رفع وقلع . قوله : « كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ » في محل نصب على الحال من « الْجَبَلَ » أيضا ، فيتعدد الحال . وقال مكي : « هي خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو كأنه ظلّة » . وفيه بعد . قوله : « وَظَنُّوا » فيه أوجه : أحدها : أنه في محل جر ، نسقا على « نَتَقْنَا » المخفوض بالظرف تقديرا . والثاني : أنه حال ، و « قد » مقدرة عند بعضهم ، وصاحب الحال إمّا « الْجَبَلَ » ، أي : كأنه ظلّه في حال كونه مظنونا وقوعه بهم . ويضعف أن صاحبها « هم » في : « فَوْقَهُمْ » . والثالث : أنه مستأنف ، فلا محل له . والظّنّ هنا على بابه ، ويجوز أن يكون بمعنى اليقين ، والباء على بابها أيضا ، قيل : ويجوز أن تكون بمعنى « على » . قوله : « وَاذْكُرُوا » العامة على التخفيف ، أمرا من ذكر ، يذكر . والأعمش « واذّكروا » بتشديد الذال ، من الإذكار ، والأصل : اذتكر ، والأذتكار ، وتقدم تصريفه . وقرأ ابن مسعود « تذكّروا » من : « تذكّر » بتشديد الكاف . وقرىء « وتذّكّروا » بتشديد الذال والكاف ، والأصل : ولتتذكروا ، فأدغمت التاء في الذال ، وحذفت لام الجزم ، كقوله : 2350 - محمّد تفد نفسك كلّ نفس * . . . « 3 » قوله : مِنْ ظُهُورِهِمْ . يبدل من قوله : « مِنْ بَنِي آدَمَ » بإعادة الجار ، كقوله : لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ ، لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ . وهل هو بدل اشتمال ، أو بدل بعض من كل ؟ قولان ، الأول لأبي البقاء . والثاني للزمخشري ، وهو الظاهر ، كقولك : ضربت زيدا ظهره ، وقطعته يده ، لا يعرب أحد هذا بدل اشتمال . و « ذُرِّيَّتَهُمْ » مفعول به . وقرأ الكوفيون ، وابن كثير « ذُرِّيَّتَهُمْ » بالإفراد ، والباقون « ذرّيّاتهم » بالجمع . قال الشيخ : « ويحتمل في قراءة الجمع أن يكون مفعول « أخذ » محذوفا ، لفهم المعنى . و « ذرّياتهم » بدل
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة ( 1 / 598 ) ، كتاب النكاح ( 1861 ) ، والبيهقي في السنن ( 7 / 81 ) ، كتاب النكاح والبغوي في شرح السنّة ( 9 / 15 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 61 ) ، البحر ( 4 / 418 ) . ( 3 ) تقدم .